الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 الوطن المحتضر, يوسف السباعي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عن العشق والهوى

نائب المدير
 نائب المدير
avatar

عدد الرسائل : 266
العمر : 28
تاريخ التسجيل : 09/10/2007

مُساهمةموضوع: الوطن المحتضر, يوسف السباعي   الأربعاء أكتوبر 17, 2007 11:33 pm

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

انا جايبلكم قصه مش طويله قريتها ليوسف السباعي
ياريت تحاولو تقروها وتكملوها للاخر
يمكن تفرق مع حد فيكم

...
..
.
.

الوطن المحتضر



أداتهم اللسان.. وإنتاجهم الكلام
قديرون بلسانهم على إحقاق
الباطل وإبطال الحق.. يدعون لأمرٍ
وبلا خجل ولا استحياء يدعون لنقيضه



قال لي صاحبي متسائلا -

-ما بالك يا صاحبي تعيش في الدنيا كأنك لست منها؟

-كيف؟

-أراك مغرقا في أوهامك المعسولة.. ممعنا في الكتابة عن الهوى والعشاق.. مرح الأحلام، مترنم القلم، شادي الفؤاد.. تغض الطرف عمّا حولك من مرير الحقائق والوقائع حتى ليخيل إليّ أنك لا تعيش في أرضنا هذه.. أو أنك ثمل لا تحس ولا تفيق.. أو أنك لست منّا ولا يعنيك أمرنا .

بل أحس وأشعر وأتألم.. ولكني أغض الطرف إغضاءة يائس وأتعزى بمعسول الأوهام عن مر الحقائق.. إن كلمات النصح لن تغير ما بقومي، بل ستزيد النواح نائحا، والباكين باكيا!! ولخيرٌ لقومي من نوح باكٍ.. ترنّم شاد .

-بل نوح باكٍ خير وأجدى.. فالنائح خير مُذكِّر بالمصاب "وذكر إنما أنت مذكر ".

-أُذكِّر قوما أحياء في وطن حي.. أما الموتى في وطن يحتضر فماذا يجدي معهم؟

-إلى هذا الحد أنت يائس.. أما عاد يُرجى لهذا الوطن خير.. وما عاد يفيد أهله نصح ولا يردهم نذير؟

- لا أظن.. حتى ولو فعلنا بهم ما فعل حكيم "الوطن الميت" بأهله .

- حكيم الوطن الميت؟ وماذا فعل هذا الحكيم باهله؟

- زعموا أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان حكيم يعيش في بلدة عمّ فيها الفساد واستبد بأهلها الفقر والمسبغة والحرمان، وانتشرت بها الأمراض والأوبئة، وشاع فيها الجهل والتواكل والضعف، وتلفّت الحكيم حوله لعله يجد من أهل البلدة فئة صالحة تعينه على أن ينقذ الوطن مما تردى فيه ويصلح حاله ويقيل عثرته، ولكنه لم يجد سوى الإعراض من القوي والتخاذل من الضعيف.. ووجد سوس الفساد قد نخر فيهم جميعا.. فما ترك أذنا تصغى أو ذهنا يعي .

تلفّت إلى الحكام، فاذا بهم في شغل عن مصالح وطنهم بالعراك على حكمه والتسابق إلى امتطاء صهوته، والتدافع إلى جني ثمار سلطانه، فلا يكادون يتربعون على دست الحكم حتى يذل الحرص أعناقهم ويغشى أبصارهم ويصم آذانهم ويضعف ذاكرتهم.. فهم لا يبصرون ما كانوا يبصرونه، ولا يسمعون ما كانوا يقولونه.. وإذا بجهودهم قد تركزت في التشبث بأعناق الحكم والالتصاق بصهوته .

مختلفون والهدف واحد.. مقتتلون والأماني مشتركة.. يتهم كل منهم الآخر بما هو فيه، ويعيب كل منهم على صاحبه ما سبق أن أتاه .

يعلنون ما لا يبطنون.. ويقولون ما لا يفعلون.. يدعون التسابق إلى مصلحة البلد وهم إلى مصالحهم أسبق.. ويدعون الحرص على إنقاذ الفقير والعامل والفلاح وهم على ثراوتهم أحرص .

يطالبون بالحرية.. إذا ما أفادتهم الحرية.. ويقتلونها اذا ما كشفت عن سوءاتهم .

أداتهم اللسان.. وإنتاجهم الكلام.. قديرون بلسانهم على إحقاق الباطل وإبطال الحق.. يدعون لأمر، وبلا خجل ولا أستحياء يدعون لنقيضه .

وتلفت إلى العلماء و رجال الدين.. فاذا بهم اتباع جبناء أشبه بشرأبة الخرج.. سائرون في مواكب الحكام.. محرقين البخور تحت أقدامهم.. فهم موظفون ميري.. يحرصون على عيشهم أكثر من حرصهم على الدين.. قانعين راضين.. لا يثورون الا بأمر الحكام، ولا يغضبون الا بإشارة منهم، ولا يميزون بين الرذيلة والفضيلة إلا بأعينهم.. فهم أسبق لنيل رضاء الحكام من نيل رضاء الله .

وتلفّت إلى الشباب فاذا به رقيع مخنث.. قليل الصلابة ضعيف الاحتمال، لا صبر له على المكاره ولا جلد على المشاق .

وإلى الكتاب فاذا بهم أنانيون نفعيون منافقون.. لايحركون أقلامهم إلاّ للاستجداء.. استجداء الحكام أو الجماهير .
وإلى الشعب فإذا به متخاذل متكاسل مغرق في القذارة.. قذارة الخلق والجسد والثياب والدار .

وهكذا لم يجد الحكيم من حوله معينا.. بل كان الكل عونا في الانهيار والتدهور وحليفا للعدو المثلث "الفقر والمرض والجهل "،

وفي ذات يوم روع الناس بالحكيم يعدو في الطرقات باكيا مولولا وقد شق ثيابه، ولطم خديه، وأخذ يصيح مستنجدا :

- آه.. آه.. إليّ إليّ.. النجدة النجدة المعونة المعونة.. الغوث الغوث
وأقبل الناس عليه يسألونه في فزع وارتياع :

- ماذا بك؟ ماذا أصابك؟ قل.. أنطق .

واستمر الرجل في عويله وبكائه حتى تكاكأت عليه البلدة وهو ممعن في الصراخ والنواح، وأخيرا نجحوا في تهدئته.. وأخذوا يسألونه في إلحاح :

- قل لنا ماذا بك؟ ماذا حدث أيها الشيخ العادل الحكيم؟
- إنه يموت.. إنه يحتضر.. أدركوه، أغيثوه.
- من هو؟ من تعني؟
- الوطن! الوطن يحتضر.. إنه يلفظ آخر أنفاسه... إن لم تنجدوه فعليه العفاء!!

وضج القوم بالضحك.. وهتفوا ساخرين:

- لقد جُنّ الشيخ !

ثم صاحوا :

- عد إلى بيتك وإياك أن تقلقنا بمثل هذه الخزعبلات. أي وطن هذا الذي يحتضر؟ أكل هذا الصراخ والبكاء لأجل هذه الأكذوبة.. والله لو عدت لمثلها أيها المخرف لجلدناك على سور البلدة .

وعاد الشيخ إلى بيته باكيا حزينا وهو ما زال يصيح :

- آه.. آه.. الوطن يموت.. الوطن يحتضر، أما من مُنجِد؟ ألا من مغيث؟
وتفرق أهل البلدة وعاد كل منهم إلى عمله وهم يتندرون بالحادثة ويروون خبر جنون حكيم البلدة .

وفي اليوم التالي فوجئ القوم بالحكيم يعدو في الطرقات مرة أخرى.. وقد اشتد بكاؤه وعلا نواحه وأخذ يصيح بصوت ملؤه الحزن والأسى:

- آه.. واحسرتاه.. واضيعتاه.. لقد مات الوطن! لقد قتل شر قتلة.. واغتيل شر اغتيال.. أمسكوا القاتل. اقبضوا عليه
لا تدعوه يفلت.. لابد من عقابه.. لقد قتل الوطن.. ولابد من الثأر له.. أمسكوا القاتل.. آه.. آه

دعوه يذهب لدفنه ولا تعطلوه.. قل لنا : متى ستدفن الوطن حتى نسير في جنازته؟ وفي أي قبر؟

وصاح الحكيم :
- ليس المهم دفنه.. المهم هو أن نقبض على القاتل.. أجل.. لا بد من البحث عنه والعثور عليه وشنقه في ساحة البلدة

وهكذا انطلق الرجل في البلدة يهيم على وجهه باحثا عن قاتل الوطن.. واعتاد الناس أن يبصروه في كل يوم في الطرقات وهو يصيح :

- القاتل الشرير.. سأقبض عليه.. لن يفلت مني.. سأنتقم للوطن.. سأردي القاتل وأمثل به وأعذبه عذابا لم يعذبه أحد

ومضت بضعة أيام دون أن يبصر أحد من الناس للحكيم وجها ولم يعد يراه أحد يهيم في الطرقات.. وأخذ الناس يتساءلون عن مصيره.. فمِن قائل أنه هجر البلد.. ومِن قائل أنه قد مات.. حتى فوجىء الناس به ذات يوم وقد أقبل يعدو في الطرقات وهو يثب فرحا ويرقص طربا ويصفق بيديه صائحا :
- أيها الناس أبشروا.. لقد وجدته.. لقد عثرت عليه.. القاتل الشرير.. لقد أمسكت بتلابيبه وضيقت عليه الخناق ولم أمكنه من الفرار .

وبضربة واحدة انتقمت للوطن شر انتقام. لقد ثأرت لكم منه وقتلته شر قتلة.. لم أتوان عن ذلك لحظة واحدة خشية أن يتمكن من الفرار ويعاود فعلته.. انه مغامر شرير لا خلق له ولا كرامة..إنه مجرم سافل كذاب محتال .

واستمر القوم في ضحكهم على الشيخ حتى صاح بهم رجل:
- من يدري! قد يكون الشيخ المجنون قتل إنسانا كما يقول.. وقد يكون القتيل راح ضحية جنونه .

وأجابه آخر :
- لا تخف.. إن الرجل واهم.. إنه لا يجسر على قتل نملة

وصاح الرجل مؤكدا :

- بل قتلتُه شر قتلة.. وليس أسهل على من أن أثبت لكم ذلك.. لقد قتلته ووضعت جثته في تابوت داخل البيت.. ويستطيع أي إنسان منكم أن يأتي بنفسه ليشاهد قاتل الوطن قبل أن أواريه التراب.. إنه عدوكم جميعا ولا بد لكم أن تمتعوا أبصاركم بمشاهدة جثته مسجاة في النعش.. هيا يا قوم ولا تترددوا .

وسرى الخبر في البلدة سريان البرق.. وبلغ من بها من حكام وأهل علم ودين.. وعرف كل منهم أن الشيخ قد قتل قاتل الوطن وأنه وضعه في تابوت في بيته وأنه على استعداد لأن يريه لكل من يريد رؤيته .

وثار في نفوس القوم حب الاستطلاع وصمم كل منهم على أن يرى جثة قاتل الوطن.. وبين عشية وضحاها كان أهل البلدة صغيرها وكبيرها وقفوا بباب الرجل يتزاحمون على رؤية القتيل القاتل .

ووقف الحكيم يصيح بهم:
- مهلا.. مهلا ما هذا التزاحم والضجيج؟ قفوا صفوفا متراصة بعضكم وراء البعض.. سأريه لكم واحدا واحدا.. لن يحرم من رؤيته أحد.. ولكن لابد من النظام حتى تستطيعوا رؤيته كلكم.. أجل.. قفوا هكذا صفا واحدا.. لقد وضعت الجثة في النعش داخل هذه الحجرة وعليكم أن تدخلوا بنظام واحدا وراء الآخر.. وتلقوا على القتيل نظرة وهو راقد في نعشه ثم تخرجوا من باب الحجرة الآخر وتذهبون في سبيلكم فاهمون؟

صاح القوم : أجل.. أجل..

وبدأ الطابور في التحرك.. ودلف القوم إلى الحجرة واحدا بعد الآخر.. ولم تمض لحظة واحدة حتى أخذوا يظهرون من الباب الآخر خارجين من الحجرة بعد مرورهم بالنعش .

ونظر الناس المتراصون خارج الحجرة والذين لم يأت دورهم للدخول إلى وجوه الخارجين الدين رأوا القتيل فأدهشهم ما علاها من وجوم وإطراق وحزن وأسف، و أدهشهم قطرات العرق التي تتصبب منها، وحاول بعضهم أن يسألهم عما رأوه وكيف وجدوا القتيل ومن هو؟ ولكنهم لم ينبسوا ببنت شفة فقد كانوا ذاهلين عما حولهم شاردي الأذهان زائغي الأبصار يتعثرون في مشيتهم وقد استغرقوا في الصمت وبدا عليهم سيما خجل شديد .

وهكذا استمر الناس يخرجون من الحجرة وقد علت سيماهم علامات الحزن والأسى والأسف وكسا وجهوهم ذلك المظهر العجيب الذاهل الشارد .

وأخيرا مروا جميعهم بالنعش ولم يبق في البلدة كبير ولا صغير إلا وأبصر القتيل.. وخرجوا جميعا لا ينبسون ببنت شفة ولا يجسر أحدهم على أن ينظر في وجه الآخر .

ومرت الأيام فإذا بالأعجوبة تحدث، وإذا بالوطن الميت يحيا، وإذا بالحكام يتحدون ويزهدون في مظاهر الحكم وينسون المصالح الشخصية ويخلصون في تصرفاتهم ويهدفون إلى منفعة الوطن.. وإذا الأغنياء يعطون الفقير ماله والمظلوم حقه.

واذا برجال الدين يتخلفون عن ركاب الحكم ويتعالون بأنفسهم ويتسامون في تصرفاتهم ويعملون لوجه الله والدين والأخلاق لا لوجه الوظيفة وأكل العيش .

وإذا الشباب الفاسد ينصلح ويرعوي ويشتد عوده ويصلب ويسير في طريقه مؤديا عمله مخلصا لوطنه .

وإذا الكتاب يصبحون غير مغرضين ولا أنانيين ويكتبون بما توحيه إليهم شجاعتهم ورأيهم دون أن يستجدوا أحدا .

وإذا الشعب المتكاسل المتخاذل ينهض ويشتد وتزول من نفسه ومن جسده ومن ثيابه ومن داره القذارة التي لصقت به حتى أضحت شيئا منه .
وإذا الركب كله يسير في هدوء وسلام واطمئنان... وإذا بخيرات البلدة تكفي أهلها جميعا وتغمرهم بالهناء والنعيم .

وساد الصمت.. ورأيت صاحبي ينظر إليّ في دهشة ويقول متسائلا- :

-ولكن كيف حدث هذا؟ ماذا رأى الناس في التابوت حتى غيروا ما بنفوسهم؟

-لا شيء.. لا شيء أبدا.. لقد كان التابوت فارغا.. كل ما فعله الرجل هو أنه ألصق بقاعه مرآة.. فكلما أطل فيه إنسان أبصر فيه صورته.

وعرف أنه قاتل الوطن.. وأنه بالجزء الذي يقوم به من الفساد في حدود عمله قد قتل الوطن، وأن الوطن لا يموت إلا إذا تعاون بنوه كلهم على قتله.. كل بما يعمل من شر مهما ضؤل، فهو مسمار في نعش الوطن .

وأطرق صاحبي برأسه مفكرا ثم قال بعد برهة :

-من يرزقنا بحكيم مثل هذا يرينا قاتل وطنه؟

-لا فائدة .
-لم؟!
سيطل كل منا في النعش ويخرج رافع الرأس.. فاذا ما سألوه عمن رأى.. ادّعى أنه أبصر صورة غيره..
نحن قوم متبجحون مدعون.. لا نخجل ولا نستحي
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mogelbahr.top-talk.net
 
الوطن المحتضر, يوسف السباعي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات موج البحر :: الأدب :: قصاقيص-
انتقل الى: